الأربعاء، 3 أكتوبر، 2012

حول ادعاء عدم انحراف المجال المغناطيسي على خط طول مكة المكرمة

On the Claim of Geomagnetic Invariance Along Mecca Longitude
حول ادعاء عدم انحراف المجال المغناطيسي على خط طول مكة المكرمة(*)
بقلم: عزالدين كزابر

يتجه المجال المغناطيسي على الأرض من القطب المغناطيسي الجنوبي إلى الشمالي، ولكنه يتأرجح حول هذا الاتجاه ويميل شرقاً أو غرباً بقيم صغيرة متغيرة، ولكل خط من الخطوط المبينة أعلى قيمة بعينها لزاوية ميل المجال المغناطيسي عن اتجاه الشمال، وهذه الخطوط تنزلق وتتحرك على الأرض ولا تسكن أبدا، فكيف يُدّعى أن هناك خط طول جغرافي بعينه لا يتغير عنده المجال؟! 

في مؤتمر عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة عُقد بمدينة الدوحة مساء السبت 19/4/2008، وجاء عنوانه "مكة مركز الأرض بين النظرية والتطبيق"، طُرحت مسألة إعجازية زعم فيها أصحابها بانعدام المجال المغناطيسي ليس فقط في موقع مكة المكرمة، بل وعلى امتداد خط الطول الجغرافي الذي يمر بمكة. وجاء هذا الزعم بإشارة صريحة(1) بأن ذلك من الآيات البينات التي حباها الله تعالى ببيته الحرام في قوله تعالى "فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ"(آل عمران:97). ورغم أن هذا الزعم قد قيل سابقاً في بعض المقالات المنشورة صحفياً على مدى سنوات(2)، فقد رأينا أنه ربما تخفُت حدته ويتبين لأصحابه أخطاءهم بما يصلهم من ملاحظات وتصويبات أهل الاختصاص. غير أن تكرارا نفس الزعم، وبالحدة التي يتم تخصيص مؤتمر لذلك، والرغبة بإلحاقه بمؤتمر ثانٍ في شهر اكتوبر من هذا العام في نفس الموضوع حسب ما أُعلن عنه في توصيات المؤتمر(3)، أقنعنا باستمرار مسلسل الأخطاء دونما عاصم. وإذا ارتفع صوت الباطل بزعمه أنه حق وتمادى، فلا مناص من الرد عليه وتصويبه بما هو أهله. وإن كان أصحاب المؤتمر أخوة أعزاء أو مربين فضلاء لهم علينا بعض الفضل، فإن كتاب الله تعالى ودينه أغلى مما سواه.


ثورة اكتشاف المجال المغناطيسي للأرض

يُعد المجال المغناطيسي للأرض صفة طبيعية هامة لما أحاط به من فوائد جمة وغموض كبير في مصدره. فمن حيث فائدته التاريخية أنه كان علامة فارقة في التاريخ الجغرافي والعلمي الحديث. ويرجع ذلك على التحديد إلى اكتشاف تأثيره المتمثل في إتجاه الإبرة المغناطيسية على امتداد الشمال-الجنوب. وكان هذا الاكتشاف ثورة عالمية في الإبحار الحر بعيداً عن الشواطئ. حيث كان التقليد القديم أن تُبحر السفن قريباً من الشواطئ كي لا تضل طريقها، أو بتعبير البحارة بقولهم: "نبحر ونحن نحتضن الشواطي"(4). وحدثت هذه الثورة على مدى القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين عندما اقتبس الأوربيون – وتحديداً الإيطاليون - استخدام البوصلة عن المسلمين الذين كانوا يجوبون بها شواطئ البحر المتوسط وكأنهم في أنحاء دارهم، حتى أن كلمة بوصلة كلمة إيطالية لما سماه العرب بيت الإبرة(5) أو الحُك(6)، أو البركل(7)، أو اختصاراً "الإبرة".

وقد اشتهر لدى الغرب أن مخترع البوصلة هو فلافيوجيويا Flavio Gioia المولود في مدينة أمالفي الإيطالية Amalfi، والحقيقة – كما تشهد بذلك زيغرد هونكه المستشرقة الألمانية(8) "أن فلافيو قد عرف هذه الآلة عن طريق العرب، بل إنه لم يكن أول شخص في بلاد الغرب عرفها. وتستدل هونكه على ذلك وتقول: "من المعلوم أن الصينيين كانوا يعلمون منذ زمن بعيد أن الإبرة المغناطيسية تشير دوماً إلى الشمال (جاء في "قصة الحضارة" لـ "ول ديورانت" أنها كانت تشير إلى الجنوب(9). ولكنهم في حديثهم نفسه، لم يستدلوا على استعمال البوصلة إلا بواسطة "غيرهم". ولما كانت السفن التجارية في ذلك الوقت – في القرن الحادي عشر – تصل إلى المحيط الهندي، يُرجَّح الرأي القائل بأن هؤلاء "الغير" هم العرب بالذات. وثمة مصادر عربية تؤكد استعمال العرب للبوصلة في ذلك العصر. وفي عام 1269م نقل بطرس فون ماريكورت Petrus Von Maricourt عن العرب مباشرة معلوماته عن المغناطيس، وعن كيفية استعمال البوصلة. وأدخل استعمالها في أوربا في رسالته "Epistole de Magnete (شكل1)".



ومع ثورة الإبحار كانت ثورة التجارة وانتقال الثقافات والوصول إلى ما وراء البحار واكتشاف القارات الجديدة.

حقيقة المجال المغناطيسي للأرض

أما من حيث طبيعة ظاهرة المجال المغناطيسي للأرض وما أحاط بها – وما يزال – من غموض. فقط ظن المنظرون أن هناك تشابها بين المجال الكهرومغناطيسي للأرض في مجموعها والمجال المغناطيسي المحيط بقضيب الحديد المغناطيسي. مما دعاهم إلى الظن بوجود قضيباً مغناطيسياً بطول الأرض قابعاً هناك في باطنها من الشمال إلى الجنوب، وإليه يعود وجود قطبين مغناطيسيين شمالي وجنوبي مميزين كما بالشكل (2).


كما أن هذا الظن حمل على القبول السريع بفكرة احتواء الأرض على لب ضخم من مادة الحديد بدرجة أساسية. غير أن علة أن يكون الحديد الصلب في باطن الأرض مصدراً مباشراً للمجال المغناطيسي تهاوت سريعاً بعد معرفة أن درجة حرارة الأرض لا بد وأن تكون أعلى كثيراً من 1043 كلفن ( 770 درجة مئوية)، والمُسمَّاة بحد كوري الحراري Curie point temperature، وهو الحد الذي إذا تخطته درجة حرارة الحديد تتشتت اتجاهات ذراته ويفقد مغناطيسيته. ولم يبقى من علة مفترضة – معلومة - لديمومة المجال المغناطيسي للأرض إلا افتراض وجود دوامات كهربية في لب الأرض المائع بفعل من تأثير كوريولس Coriolis الناتج عن دوران الأرض. وتنتظم هذه الآلية الآن نظرية تسمى نظرية الدينامو المتجدد يُعزى إليها حفظ المجال المغناطيسي. أنظر شكل (3).

ونظراً لعدم انتظام هذه الدوامات، فإن المجال المغناطيسي للأرض غير منتظم أيضاً لا في المكان ولا في الزمان. وكان هذا الانتظام ظناً واهماً ارتبط بتشبيه الأرض بقضيب المغناطيس سواء كان هذا الظن صريح مُعلن، أو ضمني مسكوت عنه. ورغم أن الثقافة العلمية الرصينة، فضلاً عن الأهلية العلمية للمتخصصين، أصبحت على درجة من الوعي العلمي بما ينفي الانتظام الموهوم للمجال المغناطيسي، إلا أن التماثل مع قضيب المغناطيس ما زال مستحوذاً على كثير من ظنون العلميين! ناهيك عمن وراءهم من متوسطي الثقافة. وهؤلاء وأولئك يبنون على هذه الظنون في بعض الأحيان تصورات علمية يدافعون عنها. فإذا علم أن إنحراف المجال المغناطيسي عند موقع ما له قيمة معينة، فإنه يظن أن أي نقطة على خط الطول المار بنفس الموقع لا بد وأن يكون له نفس مقدار الانحراف. وهذا غير صحيح. بل إن التعقيد الشديد للمجال المغناطيسي والمتغير مكاناً وزماناً يَحُول دون أي تماثل يفضي إلى مثل هذه النتيجة، رغم أن المَعلَم الرئيسي للمجال المغناطيسي للأرض أنه ثنائي القطب وأن قطباه الشمالي والجنوبي قريبان من الشمال والجنوب الجغرافيين، غير أنهما يتنقلان ببطء ويتغير موضعهما.

ادعاءات انعدام الإنحراف المغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة:

تسبب عن الظن والوهم بثبات المجال المغناطيسي للأرض – كما أشرنا إلى ذلك أعلى - أن وَجَدْنا من يقول(12) بوجود: "انعدام للانحراف المغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة ‏(39,817‏ شرقا‏) – وذلك حسبما يظن من أنه -‏ ثبت في البحث المنشور سنة‏ 1395‏هـ ‏1975م، في العدد الثاني من المجلد الأول لمجلة البحوث الإسلامية الصادرة بمدينة الرياض.‏"

فما كان من هذه المقولة إلا أن راعتنا لمخالفتها لهيئة المجال المغناطيسي، إلا أن تشير إلى معجزة تخص مدينة مكة وتنكسر بسببها السنن الطبيعية، أو أن تختص بسنة طبيعية تنفرد بها مكة. لذلك قمنا بمراجعة البحث المشار إليه(13) مراراً وتكراراً، فلم نجد لهذه المقولة أثراً، لا صريحاً ولا ضمنياً، فقمنا بمراجعة بحثين آخرين لنفس المؤلف بنفس المجلة(14)، فلم نقف أيضاً على شيء قريب مما قيل!

فعدنا لصاحب المقولة نتحرى في كتاباته الممتدة ما يهدينا إلى سبب إشارته تلك، فوجدنا تكراراً لنفس المقولة بزيادات مختلفة جاءت إفادتها (تحت عنوان: انتفاء الانحراف المغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة‏) كالآتي(15): [ذكر الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين‏ في بحثه القيم المعنون إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة والمنشور في العدد الثاني من المجلد الأول لمجلة البحوث الإسلامية الصادرة بالرياض سنة ‏1396-1395‏ هـ ‏- الموافق ‏1976-1975‏م‏، أن الأماكن التي تشترك مع مكة المكرمة في نفس خط الطول ينطبق فيها الشمال المغناطيسي الذي تحدده الابره الممغنطة في البوصلة مع الشمال الحقيقي الذي يحدده النجم القطبي‏,‏ ومعني ذلك أنه لايوجد أي قدر من الانحراف المغناطيسي علي خط طول مكة المكرمة‏، بينما يوجد عند جميع خطوط الطول تأخرى. ولذلك اقترح الأستاذ الدكتور اتخاذ خط طول مكة المكرمة كخط طول اساسي بدلا من خط طول جرينتش الذي يبلغ الانحراف المغناطيسي عنده‏( 8.5 درجة إلي الغرب من الشمال‏,‏ وقد فُرض علي العالم بالقوة اثناء الهيمنة الاستعمارية البريطانية التي زال ظلها إلي الأبد بحمد الله.

ثم وجدنا أخيراً عبارة له يقول فيها(16): "خصوصية انتفاء الانحراف المغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة: أضاف الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين في بحثه القيم المعنون ..‏ أن الأماكن التي تشترك مع مكة المكرمة في نفس خط الطول:‏ 39,817‏ شرقا‏,‏ تقع جميعها في هذا الاسقاط علي خط مستقيم‏,‏ هو خط الشمال الجنوب الجغرافي المار بها، أي أن المدن التي تشترك مع مدينة مكة المكرمة في خط الطول يكون اتجاه الصلاة فيها الي الشمال أو الجنوب الجغرافي تماماً. والمدن التي تتجه في الصلاة الي الجنوب الجغرافي تبدأ من القطب الشمالي للأرض إلي خط عرض مكة المكرمة :‏ 437‏,‏21‏ شمالا‏، وأما المدن التي تقع علي خطوط العرض الممتدة من جنوب مكة المكرمة الي القطب الجنوبي فان اتجاه القبلة فيها يكون ناحية الشمال الجغرافي تماماً.‏ وكذلك الحال علي خط الطول المقابل لخط طول مكة المكرمة‏,‏ وهو خط الطول المرقم‏: 183,‏140‏ درجة غربا، فإن المدن الواقعة عليه تصح الصلاة فيها نحو الشمال الجغرافي أو الجنوب الجغرافي تماما حسب موقع خط عرض كل منها بالنسبة الي خط عرض مكة المكرمة‏.‏ فالمدن الواقعة الي الجنوب من خط العرض المقابل لخط عرض أم القري أي من خط عرض: ‏21,437‏ جنوبا إلي القطب الجنوبي تتجه في صلاتها الي الجنوب الجغرافي تماما‏,‏ والمدن الواقعة شمالا من خط العرض ذلك الي القطب الشمالي تتجه في صلاتها الي الشمال الجغرافي تماما‏.‏ أما المدينة الواقعة علي خط الطول المقابل لمكة المكرمة تماما وعلي خط عرضها تماما فإن الصلاة تجوز فيها نحو أي من الشمال أو الجنوب الجغرافيين تماما‏,‏ كما تجوز في كل الاتجاهات الأخري شرقا وغربا‏,‏ وذلك لوقوع تلك المدينة علي إمتداد قطر الكرة الارضية المار بمكة المكرمة."

ثم قال عقب ذلك مباشرة: "معني هذا الكلام أنه لايوجد انحراف مغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة‏.‏ وعند جميع الخطوط الموازية له‏,‏ باستثناء حالة واحدة‏.‏ (ولم نعثر على إشارة إلى هذه الحالة الواحدة!). والسبب في ذلك ان قطبي الأرض المغناطيسيين في تجوال مستمر حتي يتم انقلابهما فيصبح القطب الشمالي جنوبا والقطب الجنوبي شمالا‏,‏ وعند ذلك يحدث الكثير من الكوارث الطبيعية واندثارات الحياة‏,‏ وقد ثبت حدوث مثل هذه الانقلابات المغناطيسية في تاريخ الارض عدة مرات‏.‏"

معنى ذلك أن صاحب المقولة قد استدل من كلام صاحب البحث في حديثه عن اتجاه القبلة لمن هو على خط طول مكة الجغرافي ذلك الزعم بأن اتجاه الشمال المغناطيسي ينطبق على اتجاه الشمال الجغرافي على هذا الخط، ومن ثم ينعدم انحراف إبرة البوصلة عن اتجاه الشمال!!!


ولا ندري كيف أمكن إجراء مثل هذا الاستدلال المنفك العلة – بتعبير علماء أصول الفقه - وعلى أي أساس علمي قام؟! – فالمسألتان لا علاقة بينهما تفضي من إحداهما إلى الأخرى.

إن صاحب البحث – الدكتور حسين كمال الدين يرحمه الله – أراد من البحث تيسير استخدام البوصلة – التي تشير إلى الشمال المغناطيسي – في تعيين إتجاه القبلة في أي موقع على الأرض، بمعرفة زاوية ميل إتجاه الشمال في ذلك الموضع على إتجاه القبلة. وكان غرض البحث النهائي الخروج بزوايا الميل الأخيرة وجدولتها. ورأي الباحث أن هذا لن يتم على أكمل وجه إلا إذا قام بإسقاط الكرة الأرضية كاملة بالنسبة إلى مكة، وكأنها قطب الأرض كالقطب الشمال الجغرافي التقليدي. فإذا أراد أحد من الناس معرفة إتجاه القبلة عليه أن يستخرج تلك الزاوية لموقعه من الجداول النهائية، ويضيفها إلى إتجاه الشمال الجغرافي. وليس أمامه من وسيلة في تعيين الشمال الجغرافي إلا البوصلة. فسيفترض إبتداءاً أنها تشير إلى الشمال الجغرافي، والدليل على هذا التحليل قول د. كمال الدين ما نصه: "عند استعمال البوصلة المغناطيسية تتجه الإبرة إلى الشمال المغناطيسي الأرضي وليس إلى الشمال الجغرافي ، وتكون زاوية الانحراف التي تقرأها البوصلة في هذه الحالة هي زاوية الانحراف الدائري المغناطيسي (وهي الزاوية التي تقاس ابتداءً من خط الشمال الجغرافي وتدور إلى جهة اليمين حتى تصل إلى الاتجاه المرغوب فيه). والفرق بين الشمال المغناطيسي والشمال الجغرافي ليس ثابتا ويعتريه بعض التغيرات مع اختلاف الزمان واختلاف المكان على سطح الأرض ، والفرق بينهما ليس كبيرا ، وعلى ذلك فإنه من الممكن استعمال جهاز البوصلة العادية عند تعيين اتجاه الصلاة في الأماكن الخاصة. وأما في المساجد والأماكن المعتمدة للصلاة فالأفضل عند بنائها تعيين اتجاه القبلة عن الشمال الجغرافي باستعمال الأرصاد الفلكية"

فالدكتور كمال الدين يعلم تماماً عمَّ يتكلم، ويعلم درجة التقريب في تعيين إتجاه الشمال التي تؤدي بها هذه الطريقة، والتي هي جائزة في حق الأفراد، والعوام من المسلمين للتيسير. أما إن كان الأمر يتعلق بتعيين إتجاه القبلة للمساجد المعتمدة للصلاة، فلا بد وأن يتم ذلك بالدقة الكاملة، وتلك لا يُستخدم فيها البوصلة، بل يجب معرفة إتجاه الشمال الجغرافي الصحيح بالطرق الفلكية، ثم بالاستعانة بالجداول التي سيؤدي البحث إلى استخراجها، يمكن تعيين إتجاه القبلة لأي مكان على الأرض، إلا من تحفظات أخرى ذكرها.

أما خط طول مكة وما ذُكر بصدده، والذي كان مطية الاستدلال، فلم يكن يتعلق بانعدام انحراف المجال المغناطيسي البتة. بل كان يريد به صاحب البحث أن يقول ما معناه: أن من كان يعلم من الناس أن موقعه على نفس هذا الخط، فلا حاجة به لاستخدام الجداول المشار إليها، وكل ما عليه أن يستخدم البوصلة – مع كونها تقريبية أيضاً – ويتجه إما مع اتجاه مؤشرها إذا كان موقعه جنوب مكة، أو عكس ذلك إن كان يقع شمال مكة. وسواء كان على هذا الخط أو بعيداً عنه تظل درجة التقريب واحدة وهي أن البوصلة تنحرف في حدود بضع درجات عن الشمال الجغرافي. وأن هذا الانحراف متغير من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر، وهو ما ذكره الدكتور كمال الدين صاحب البحث. لذا: فالبحث وصاحبه بريئان من هذا الاستدلال الخاطئ.

تغير المجال المغناطيسي في مدينة مكة المكرمة على مدى 400 عام:

ولكي نؤكد صحة تحليلنا السابق، وتفنيدنا للزعم بانحراف الاتجاه المغناطيسي في مدينة مكة ذاتها، أو على امتداد خط الطول الجغرافي، قمنا بالإستعانة بمشروع نمذجة المجال المغناطيسي للكرة الأرضية(17)، والذي تم بناؤه من رصد تاريخي متصل على مدى 400 سنة؛ من عام 1590 وحتى عام 1990. وتمكننا من استخلاص النتيجة التالية(18) لمقدار إنحراف المجال المغناطيسي declination عن الشمال الجغرافي على مدار هذه القرون الأربعة الكاملة في مدينة مكة المكرمة تحديداً وموقعها (عرض: 437‏,21◦؛ طول: 39,817◦‏). وجاءت النتيجة كما بالشكل الآتي:


ويتضح بجلاء أن الإنحراف المغناطيسي declination ليس منعدماً على الإطلاق في مدينة مكة بما تتميز به عن غيرها من بقاع العالم. وإذا كان قد مر على مكة يوماً ما وانعدم هذا الإنحراف – وهو ما حدث مرة واحدة خلال هذه الفترة، وكان ذلك في عام 1920م كما يتضح من شكل (4) – فذلك لأن هذا أمر طبيعي ويحدث كل يوم في مواقع أخرى كما سنرى لاحقاً. كما أن مقدار هذا الانحراف كان قد وصل إلى أقصاه – خلال المدى المعلوم من الرصد – عام 1680م، و كان مقداره 14◦ شرق. ووصل مقدار الإنحراف في آخر المدى، أي عام 1990م حوالي 2,5◦ غرب. ويقدر الإنحراف المغناطيسي declination في أيامنا هذه – عام 2008م – بما مقداره 2,6◦ إلى2,7◦ غرباً. ومن شاء أن يذهب إلى مكة ويقيس هذا الانحراف فليفعل ليتأكد. فأين الزعم بانعدام انحراف المجال المغناطيسي على مكة وخط الطول الذي تمر به؟!

يمثل الشكل (4) تغير الإنحراف المغناطيسي عبر الزمن لموقع بعينه؛ هو مدينة مكة المكرمة. غير أن الإنحراف المغناطيسي يتغير أيضاً عبر المكان وبشكل غير منتظم وغير متماثل حول أي من الخطوط الجغرافية. ويتضح في شكل (5) جزء من المنطقة العربية مأخوذة من أرصاد منمذجة لعام 2000م على التعيين(19). وتمثل المسارات الحمراء المواقع التي لها نفس قيم الإنحراف المغناطيسي. فعلى سبيل المثال يقسم الخط الذي يحمل رقم 2 شبه الجزيرة العربية إلى قسمين: الجنوبي منهم ينحرف فيها المجال المغناطيسي بأقل من درجتين، مقترباً من الصفر (إنعدام الانحراف) على سواحل عُمان الجنوبية. أما الجزء الشمالي من هذا الخط – شاملاً مدينة مكة - فيزيد الانحراف المغناطيسي فيه عن درجتين ويتعدى 3 درجات في شمال المملكة السعودية. وهو ما يتفق مع ما يمكن التنبؤ به من شكل (4) أعلى من أن الإنحراف المغناطيسي في مكة يتجاوز قليلاً  2,5◦ غرباً فيما بعد عام 1990م.


ونستكمل التحقيق العلمي في المقالة التي كنا بصددها، فنقرأ فيها(20): "من الثابت تاريخيا ان خط طول جرنيتش قد فرضته بريطانيا بالقوة ابان هيمنتها علي العالم في سنة ‏1884‏م أثناء مؤتمر عقد في واشنطن‏/‏ كولومبيا لتحديد خط طول الاساس وكان اختبارا سيئاً فرضته الهيمنة البريطانية الغاشمة في العقود المتأخرة من القرن التاسع عشر الميلادي لأن زاوية الإنحراف المغناطيسي في الجزر البريطانية كما قيست في سنة ‏1972‏ كانت في حدود ‏8,5‏ درجة الي الغرب من الشمال وهذه القيمة تتناقص بمعدل نصف درجة تقريبا كل اربع سنوات اذا بقيت تلك المعدلات ثابتة‏.‏ يُظهر ذلك خصوصية خط طول مكة المكرمة بإنطباق الشمال المغناطيسي علي الشمال الحقيقي‏.‏ ومن هنا كان اختيار الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين رحمه الله لخط طول مكة المكرمة كخط طول أساسي للكرة الأرضية واعادة اسقاط خطوط طول الكرة الارضية بدءا منه اي بالنسبة الي مكة المكرمة لتماثل خطوط الطول حول خط طول تلك المدينة المقدسة تماثلا مذهلا وتذكر المراجع العلمية ان هناك خطا من خطوط الطول يمر بمدينة سنسناتي اوهايو تتضاءل عنده زاوية الانحراف المعناطيسي الي قرابة الصفر ويعرف باسم خط انعدام زاوية الانحراف المغناطيسي‏ (The Agonic line)‏ وعلاقة هذا الخط بخط طول مكة المكرمة لم تدرس بعد‏.‏"‏


نرد على ذلك ونقول: من الواضح من تحليلنا السابق أن اختيار مدينة جرينتش كأساس ومرجعية لبداية ترقيم خطوط الطول ليس بأسوأ من أي مكان آخر مهما كانت درجة الإنحراف المغناطيسي عنده لحظة الاختيار. فليس في ذلك أي فائدة أو خسارة علمية. وإن كان في ذلك من قيمة، فهي انتمائية أو أيديولوجية. ويمكن أن يكون هذا الاختيار من قبيل "لا مشاحة في الأسماء – إذا فُهمت المعاني" وهي قاعدة لسانية شهيرة(21). والقول بأن ذلك "يُظهر خصوصية خط طول مكة المكرمة بإنطباق الشمال المغناطيسي علي الشمال الحقيقي" غير صحيح. فلم يكن هناك انطباق، وما وجدنا لذلك أي خصوصية.


أما القول: "من هنا كان اختيار الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين رحمه الله لخط طول مكة المكرمة كخط طول أساسي للكرة الأرضية واعادة اسقاط خطوط طول الكرة الارضية بدءا منه اي بالنسبة الي مكة المكرمة لتماثل خطوط الطول حول خط طول تلك المدينة المقدسة تماثلا مذهلا" فلا صحة له. لأن الدكتور كمال الدين لم يسعَ لإسقاط خريطة العالم على مكة لخصوصية موقع جغرافي أو انعدام انحراف مغناطيسي. وما فعله على الحقيقة هو ما جاء على لسانه في قوله عن الغرض من الإسقاط الجديد(22): "فكرت في عمل خريطة جديدة للكرة الأرضية، أجعل فيها مدينة مكة المكرمة مركزا لهذا الإسقاط، ويكون الهدف من ذلك بيان اتجاهات القبلة للصلاة على هذه الخريطة" وأن يكون "إسقاط خريطة العالم بالنسبة إلى مدينة مكة المكرمة، بحيث يمكن عند استعمال هذا الإسقاط معرفة زاوية انحراف أي بلد عن مكة المكرمة وكذلك مقدار المسافة بينهما." والنتيجة هي أن "يصبح هذا الإسقاط الجديد مساعدا على معرفة اتجاهات الصلاة مباشرة في كل مكان من العالم باستعمال هذه الخريطة الجديدة".

أي أن الغرض ينحصر في معرفة إتجاه القبلة من أي مكان في العالم. ولو كانت القبلة هي بيت المقدس لما كان هناك اختلاف يذكر إلا من زوايا الإسقاط. بل إن أي نقطة على سطح كرة يمكن أن تعالج بنفس المنطق إذا كانت هي القبلة؛ لأن الغرض إنما في تعيين كل الاتجاهات الممكنة من باقي نقاط الكرة الأرضية إلى النقطة القبلة. وعلى ذلك فلن تختلف النتيجة إلا من حيث نسبة وضع النقطة القبلة بين القطبين؛ ومن ثم تقترب من أحد القطبين وتبتعد عن الأخرى. أما من حيث التوزيع المتجانس لليابسة حول مكة، فلم تكن إلا ملاحظة عابرة للدكتور كمال الدين غير مستهدفة أيضاً من البحث، وقد استعرضناها في بحث سابق، كما أنها غير ذات علاقة مباشرة بموضوع البحث المخصص لمعرفة اتجاه القبلة بآلية الخريطة الجديدة مع البوصلة. وما كانت منهجية البحث ونتيجته لتختلف لو لم تكن اليابسة غير متجانسة.


وأخير نأتي لما ذُكر أعلى من "ان هناك خطا من خطوط الطول يمر بمدينة سنسناتي أوهايو تتضاءل عنده زاوية الانحراف المعناطيسي الي قرابة الصفر ويعرف باسم خط انعدام زاوية الانحراف المغناطيسي‏ (The Agonic line‏ وعلاقة هذا الخط بخط طول مكة المكرمة لم تدرس بعد‏" ونستغرب لما يمكن أن يكون من أهمية للمدينة المذكورة لمجرد وقوعها على الخط المذكور. فهذا الخط  The Agonic line خط شائع جداً، بل هو أكثر من خط كما يتبين من شكل (6). وتتحرك هذه الخطوط The Agonic lines على الأرض وتكاد أن تمسح الأرض بكاملها وتمر على كل مدينة وبلدة في لحظة ما من الزمن. وبالنظر إلى شكل (6) نرى كيف تغير الوضع المغناطيسي على سطح الكرة الأرضية منذ عام 1590 وحتى 1990م، فيما يخص زوايا الإنحراف المغناطيسي. فنرى أنه في نهاية تلك الفترة - أي عام 1990 - قد آل الأمر لأحد هذه الخطوط Agonic lines ليأتي من شمال سيبريا قاطعاً وسط آسيا إلى غرب الهند، ثم يمر بساحل عمان ثم بالصومال ومقديشيو ثم يعود ليمر بتونس فإيطايا مخترقاً أوروبا. كما أن هناك خطاً آخر يمر بغرب المحيط الهادي ثم بماليزيا ثم بغرب استراليا. وخطاً ثالثاً يبدأ من القطب المغناطيسي الشمالي الواقع شمال كندا فيقطع معظم الأمريكيتين ماراً بخليج المكسيك. وحيثما تمر هذه الخطوط الثلاث ينعدم انحراف الشمال المغناطيسي عن الشمال الجغرافي على كل نقاطه. وكلما ابتعدنا عن مسارات هذه الخطوط بشكل متعامد يبدأ الانحراف بالتزايد بالقراءات المبينة بالشكل لكل خط يحمل قراء غير صفرية.

شكل (6)(23): الخطوط ذات القيم الثابتة لانحراف المجال المغناطيسي Agonic lines منذ عام 1590 وحتى 1990م

ونتساءل: أي حجة علمية بقيت في الزعم بانعدام المجال المغناطيسي على خط طول مكة المكرمة الجغرافي. ولمصلحة من يُلصق بكتاب الله تعالى وشعائره وبيته الحرام مزاعم لا أصل لها إلا الظنون والأوهام. وما أشبه ذلك بمن أراد أي يُجَمِّل – بِظنِّه - ياقوتة نفيسة فخط عليها خطوطاً عرجاء عوجاء بقلمه فشوهت الياقوتة وأطفأت بعضاً من جمالها. وما انتهرنا هنا إلا حزننا على الياقوتة وما فُعل بها، فأردنا أن نمحو عنها تلك التشويهات. وندعو من يطمح إلى تفسير كتاب الله تعالى تفسيراً علمياً بألا يأتي هذا الأمر النفيس إلا من بابه وبحقه. وبابه العلم، وحقه التحقيق والرجحان، لا الزلات والتخبطات والكبوات.

ونقول للمشتغلين بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة: أنه قد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فلقد أخطأ"(24). وقال ابن كثير(مُعللاً ذلك)(25): [لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أُمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، فلن يكون أخف جُرمًا ممن أخطأ.]

واشتهر بين العلماء قولهم: طالب علم بلا إسناد كحاطب بليل.  وقال ابن المبارك لمَّا نظر في تفسير مقاتل(26): [يا له من علم لو كان له إسناد]

فنقول لأهل الإعجاز، ما لم يكن للعلم إسناد، فهو ليس بعلم، إلا أن يكون استئناس لا يحاجَّ به. فإن حاجّ به أحدٌ في حَقِّ القرآن فهو لغو. والإسناد لا يقف فقط عند النقل عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل إن الإسناد يمتد إلى ما خلق الله تعالى من شيءٍ. فالإسناد في قضية المجال المغناطيسي للأرض لا بد أن يكون بالرجوع إلى التجربة والقياس العملي له على الأرض عبر المكان والزمان كما استدللنا أعلى. وجليٌّ لكل ذي بصيرة أننا لما فعلنا ذلك تهاوت الظنون بأن المجال المغناطيسي منعدم الإنحراف على خط طول مكة المكرمة. وأصبح هذا الزعم كالسراب لمن حل موضعه فلم يجده شيئا. والإعجاز العلمي الحق من هذا السراب براء.

---------------------------------------------------------
(*) (نُشرت هذه المقالة بتاريخ 6/16/2008 على موقع "الملتقى الفكري للإبداع" ، ثم زال الموقع ومحتوياته مع أحداث الثورة السورية، لذا نعيد نشر هذه المقالة هنا لكثرة تداولها على الإنترنت وغياب الرابطة الأصلية التي كثيراً ما يحال إليه)
1-  ضمن كلمة د. زغلول النجار بمؤتمر "مكة مركز الأرض بين النظرية والتطبيق"، المقام بمدينة الدوحة بتاريخ 19/4/2008م.
2- أنظر على سبيل المثال: ("من أسرار القرآن"، د. زغلول النجار، الأهرام المصرية، 17/1/2005م)
3- جاء نص البند الأخير من توصيات المؤتمر كالآتي: "الدعوة لتنسيق مؤتمر في شهر 10 يستضاف فيه مجموعة من المتخصصين للحديث عن نظرية مكة مركزاً لليابسة.
4-   Amir D. Aczel. The Riddle of the Compass, Harcourt, Inc., 2001, p.9.
5-  حسن صالح شهاب، "رحلات المراكب العمانية بين عمان وبلاد السواحل"، مجلة نزوى، العدد 16.
6-  زيجرد هونكه، "شمس العرب تسطع على الغرب"، الطبعة الثامن، نقله عن الألمانية: فاروق بيضون، كمال دسوقي، راجعه مارون الخوري، دار الجيل، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص 47.
7-  إدوارد فنديك، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، ص 88.
8- "شمس العرب تسطع على الغرب"، ص 47-48.
9-  ول ديورانت، "قصة الحضارة"، جزء2، ص1343.
10- "شمس العرب تسطع على الغرب"، ص 48.
11-    Love, j.j., 1999, Astronomy & Geophysics, 40, 14-16, 19.
12-  زغلول النجار، " من أسرار القرآن "، الأهرام المصرية، 26/12/2005، وأيضاً 10/12/2007.
13- الإشارة هنا تعود إلى بحث بعنوان " إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة وتعيين اتجاه القبلة"، حسين كمال الدين، مجلة البحوث الإسلامية، 1975م ، العدد 2، ص 289.
14- هذان البحثان هما: "جهاز تعيين اتجاه القبلة من أي مكان على سطح الأرض"، الجزء 5، ص 226، و "الإسقاط المكي للعالم"، الجزء 6، ص 225. وكلاهما للدكتور حسين كمال الدين.
15-  زغلول النجار، " من أسرار القرآن "، الأهرام المصرية، 3/2/2003، 9/1/2006، 17/1/2005.
16- زغلول النجار" من أسرار القرآن "، الأهرام المصرية، 28/10/2002.
17-   A. Jackson, A. T. Jonkers and M. R. Walker, "Four centuries of geomagnetic secular variation from historical records", Phil. Trans. R. Soc. Lond. A (2000) 358, 957-990.
http://homepages.see.leeds.ac.uk/~earccf/animations/Jacksonetal2000.pdf
18-   USGS National Geomagnetism Program: http://geomag.usgs.gov/movies/movies/index.php?type=declination&format= gif
19-    USGS National Geomagnetism Program, Earth's magnetic field World declination: http://geomag.usgs.gov/charts/ig00d.pdf
20- غلول النجار، " من أسرار القرآن "، الأهرام المصرية، 28/10/2002)
21- المستصفى لأبي حامد الغزالي، ص23، والروح لابن القيم ص 204، والصواعق المرسلة لابن القيم، ص970-971، مع اختلاف اللفظ. حيث أن اختيار مرجع هندسي ما – مثل خط الطول الجغرافي الرئيسي - لا يؤثر في حقيقة الموصوف الهندسي وقِيمِه الحقيقية، مثلما أن اختيار إسم ما لا يؤثر في حقيقة المُسمَّى وقيمته. وعلة ذلك في كلا الأمرين أنهما من قبيل المواضعة.
22- حسين كمال الدين، " إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة وتعيين اتجاه القبلة"، مجلة البحوث الإسلامية، 1975م ، العدد2.
23-   Source: USGS National Geomagnetism Program: http://geomag.usgs.gov/movies/movies/index.php?type=declination&format=gif
24- السنن الكبرى للنسائي،  ، جزء5، ص31، حديث رقم 8086.
25- مقدمة تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج1، ص11.
26- تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، ج10، ص250.

هناك 8 تعليقات:

  1. بعد أيام معدودة من نشر مقالتنا هذه ["حول ادعاء عدم انحراف المجال المغناطيسي على خط طول مكة المكرمة"] على موقع الملتقى الفكري للإبداع بتاريخ 16-6-2008، ظهرت صفحة بعنوان " توقيت مكة المكرمة: هل هو حقيقة علمية؟" على أحد مواقع الإعجاز العلمي http://www.kaheel7.com وكُتب أسفلها: (بقلم: عبد الدائم الكحيل). ولم يزد محتوى هذه الصفحة عن كونه خبر (صحفي) لمقالتنا!!! ولنا على صاحب هذا الإجراء من الموقع المذكور عدة ملاحظات:

    أولاً: أن المقال " توقيت مكة المكرمة: هل هو حقيقة علمية؟" – باعتباره مقالاً- لم يُشِر إلى مصدر معلوماته على التعيين، بل أدرج أصحاب دعوى الإعجاز المزعوم وتصحيحنا عليه في نهاية المقال على أنها مراجع الدراسة دون تمييز ولا إحالة. وذلك مثلما يقوم صحفي بكتابة تحقيق، يدرج فيه أسماء المتهمين ونائب الإدعاء دون تمييز هذا من ذاك، ويقول أنها أسماء وردت في التحقيق! وفي ذلك خلط غير مقبول عند أهل الخبرة العلمية ولا يجوز لما فيه من تعمية.

    ثانياً: أن المقال خلط بين دعويين للإعجاز أحدهما عن عدم انحراف المجال المغناطيسي، والآخر عن ادعاء أفضلية توقيت مكة على توقيت جرينتش. ورغم أنه قال أن الدعوى واحدة وأسقط الأولى منها بما نقله من كلامنا عن الثانية إلا أنهما مختلفتان وإن زعم زاعمون أن الثانية تلزم من الأولى. ولو أنه أحال كلامه في دعوى التكافؤ بينهما إلى قائله لأعفى نفسه مؤنة التصدى لعنوان الدعوى بالتصدي لمحتواها المهترئ. ونقوم في المقال الراهن بالرد على الدعوى الثانية منهما على انفراد مثلما قمنا من قبل بالرد على الأولى، ولكن من مصادر أصحاب الدعوى أنفسهم ومن كلامهم.

    ثالثاً: أن صاحب موقع الكحيل أورد إحالاتنا بنصها من مقالنا المشار إليه مثلما أورد مضمون محتوى مقالنا على السواء، ومثلما أنه قام بالتعمية على كون مقالنا هو المصدر الحقيقي لمقاله فقد قام بالتعمية أيضاً على الإحالات التي لم يرجع لبعضها أو كلها على التعيين. وذلك بأن أورد الإحالات بطريقتنا على حرفييها دون الإشارة لمصدره في الإحالات، وكان ينبغي أن يقول: "على هامش المصدر كذا وكذا"، أو "نقلاً عن فلان"، وفي غير ذلك إخلال بالأمانة العلمية.

    رابعاً: نشر نفس الموقع مقالاً آخر (بعنوان: هل مكة هي مركز الجاذبية الأرضية؟) وأورد مقالان لنا في مراجعه بعناوينهما دون إسم صاحبهما، وهو إجراء فاضح في كسر الأمانة العلمية.

    خامساً: أن إجراء موقع الكحيل بعدم حفظ الحقوق الأدبية أمر شائع لدى المشتغلين بالإعجاز العلمي، فقد انتقد بعض المراجعين للإعجاز العلمي، في محاضرة كنا لها حاضرين، إنتقد عدم إيراد (مقالات "من أسرار القرآن" الأسبوعية بجريدة الأهرام المصرية) لأي إحالات علمية لمصادر معلوماتها، فكان جواب صاحبها الذي سمعته بنفسي منه بأن مقام المقالات في الجرائد لا يتسع لذلك. ولما أخرج هذه المقالات في كتب جامعة (مثل: "السماء في القرآن الكريم") أورد عشرات المراجع في نهاية الكتاب وعنونها بـ (المراجع المحال إليها)، وبالتنقيب في طول الكتاب وعرضه (600 صفحة) لم نعثر على أي إحالة إلى هذه المراجع بخلاف عدد قليل من تخريجات الأحاديث النبوية! مما سبب لنا إحباطاً شديداً.
    (يتابع في التعليق التالي ....)

    ردحذف
  2. (استكمالاً لما جاء في التعليق السابق ...)
    سادساً: لاحظنا أننا لسنا بأول من ينتقد طريقة الإعجازيين في عدم نسب الأقوال إلى أصحابها، فهذا الشيخ خالد بن عثمان السبت صاحب كتاب "الإعجاز العلمي والعددي في الميزان" يقول بعد تحقيقه فيما وسعه من أقوال الإعجازيين: "نحن نعرف أن من آداب أهل العلم في التأليف أنهم إذا كتبوا وألَّفوا فإن الواحد منهم يعزو الفائدة إلى من أخذها منه. والقرطبي -رحمه الله- في مقدمة كتابه في التفسير ذكر أن من بركة العلم أن ينسب العلم إلى قائله، والفائدة إلى من استخرجها، والذي لاحظته عند عامة هؤلاء - فيما قرأت (يقصد أصحاب الإعجاز)- أنهم لا يعرفون هذا إطلاقاً".

    سابعاً: أن أصحاب الإعجاز أيضاً يتخاصمون فيما بينهم بسبب ذلك، حيث أن الدكتور زغلول النجار فد اشتكى أمامي شكوى مُرَّة من الدكتور منصور حسب النبي (المتوفي سنة 1998) صاحب كتاب (الكون والإعجاز العلمي في القرآن) من أنه نسب اكتشاف العلاقة بين آية (السجدة-5) وسرعة الضوء إلى نفسه، رغم أن صاحب فكرة هذا الاكتشاف الحقيقي هو الطبيب محمد دودح الباحث بهيئة الإعجاز العلمي بمكة المكرمة، وأفاد بأن الدكتور منصور حسب النبي كان يعلم ذلك علم اليقين.

    ثامناً: أن دعوى الإعجاز العلمي هي إثبات نسب القرآن إلى الله تعالى، والغريب أن الإعجازيين في سبيلهم إلى إثبات حق الله يكسرون هذه القاعدة في حق البشر، والله تعالى لا يرضى بذلك، لأنه تعالى قد كفل الحقوق جميعاً إلى أصحابها.

    تاسعاً: أن كتمان إسم صاحب الفائدة يضيع معه الحق. فإن كان مصيباً علم الناس إصاباته فاتبعوه وإن أخطأ علم الناس أخطاءه فاجتنبوها. وفي كتمان أسماء أصحاب الحق كتمان لبعض الحق. وهل الكفر بالله إلا كتمان نسبة الخلق له سبحانه، ونسيانه عن عمد، والتذرع بأسباب ما أنزل الله بها من سلطان.

    عاشراً وأخيراً: قال صاحب موقع الكحيل في نهاية مقال له بعنوان (حقيقة الأهرامات: معجزة قرآنية جديدة): "أقول لإخوتي إنني لا أدعي أي اكتشاف قرآني سواء في هذا البحث أو غيره، بل هو توفيق وفضل من الله فهو صاحب هذا الكتاب! كل ما نقوم به هو تدبر لهذا الكتاب العظيم، وينبغي أن يكون هدفنا ليس أن ننسب الاكتشافات لأنفسنا، فالمؤمن الحقيقي لا يريد إلاّ وجه الله ولا يهتم بتزكية الناس له."، نقول، ألا يعتبر هذا تبرير لطمس اجتهادات الناس في حال إيراد أعمالهم الفكرية دون نسبها لأصحابها؟ وهل كون أن القرآن كتاب الله سبب يحجب نسب الاجتهاد في فهمه إلى المجتهدين؟! وإذا كان الأمر كذلك فالكون كله وما فيه خلق الله وصنعته دون سواه، فلماذا يُنسب اكتشاف آياته الطبيعية إلى من اكتشفها إذا صحت المقولة السابقة. وما نرى هذه المقولة إلا تبرير مرفوض لعدم نسب الأعمال لأصحابها أو الاحتيال عليها لنشرها على الموقع دون توثيقها حق التوثيق. أو أن القيام بذلك جهد لا يستطيعه صاحب الموقع فيحاول تبريره! وهل نشأ العلم واستقام على عوده إلا بعدما نسب المسلمون أعمال غيرهم إلى أصحابها، مثل كتاب إقليدس لصاحبه والمجسطي لبطليموس .. إلخ. وهل كانت هذه الأعمال عند اليونان إلا أعمال غيرهم من بابليين وفينيقيين ومصريين ظلمهم اليونان بطمس أسمائهم، ثم عاد أحفادهم الأوربيين يطمسون – على نهج أجدادهم - أسماء المسلمين فيما سموه بالعصور الوسطى. هل نعود إلى عصر الطمس والظلمات بإسم الإعجاز وقد هدانا الله الطريق بأن أرشدنا إلى إحقاق الحق ونسبته إلى أهله عندما قال تعالى " لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"(آل عمران:188)، أهي دعوى الجاهلية بعد الإيمان، وبإسم الإعجاز العلمي في القرآن؟!

    ردحذف
  3. لم افهمة?

    ردحذف
    الردود
    1. ولا انا?

      حذف
    2. قالوا أن اتجاه البوصلة في مكة يشير إلى الشمال تماماً بخلاف أي مكان آخر على الأرض، حيث ينحرف بعض الشيء.
      قلنا لهم أنتم مخطئون. البوصلة في مكة مثلها مثل أي مكان آخر، فلا تميُّز. وأوردنا الأدلة التاريخية على ذلك على مدى 400 سنة مضت.

      حذف
  4. أشكرك بشدة على هذا المجهود العلمي لتوضيح المسألة .. جزاك الله خيرا

    ردحذف
  5. ما رظايك حول ادعاء الاعجاز في (العدد)

    ردحذف
    الردود
    1. رأيي في الإعجاز العددي - إذا كان هذا هو المقصود في السؤال - أنه لم يشف غليلي بعد. بمعنى أني لا أستبعد أن يكون هناك إعجاز عددي حقيقي، غير أن أغلب ما قرأته من أعمال الإعجازيين في ذلك لم يستقم عوده، ولم يصبح علماً إعجازياً معتبراً بعد.

      كما أني وقفت على تضارب في أساليب العد، وقد تعرضت لذلك في دراسة عن النسبة الذهبية؛ وفيها أحقق - ضمن عدد من التحقيقات - قول أصحاب الإعجاز العددي بأن موضع بكة في قوله تعالى "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ" يحقق النسبة الذهبية بين حدّي الآية. (أنظر الرابط الآتي:)
      http://kazaaber.blogspot.com/2012/11/1-3.html


      لذلك، أرى تأخير الحكم على نجاعة هذا النوع من الإعجاز حتى تتضح معالمه إلى الدرجة التي تتولد عنها ثقة علمية حقيقية.

      حذف